للنشر الفوري،
الشارقة، 8 نوفمبر 2026
أكدت الكاتبتان المتخصصتان في مجال أدب الجريمة، كلير ماكينتوش ونهى داوود، أن جاذبية أدب الجريمة لا تقتصر على الألغاز ومحاولة اكتشاف مرتكب الجريمة، بل تمتد إلى استكشاف الطبيعة البشرية وفهم الدوافع التي تقف وراء تصرفات الشخصيات، مشيرتين إلى أن نجاح هذا النوع من الأدب يعتمد على بناء شخصيات مقنعة، وحبكات مشوقة تدفع القارئ إلى التفكير وإعادة النظر في أحكامه وتوقعاته حتى الصفحات الأخيرة.

جاء ذلك خلال جلسة “لماذا يقرأ العالم بأسره أدب الجريمة؟”، التي أقيمت ضمن فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب 2026، واستضافت الكاتبة البريطانية كلير ماكينتوش، والكاتبة المصرية نهى داوود، وأدارها محمد العطار، حيث ناقش المشاركون أسباب الانتشار العالمي لروايات الجريمة، وخصوصية الشخصيات الروائية، والعلاقة بين الواقع والخيال، ودور الكاتب في صناعة التشويق ومفاجأة القارئ.

استكشاف المنطقة الرمادية
وتحدثت كلير ماكينتوش، التي سبق لها العمل في الشرطة البريطانية، عن اهتمامها باستكشاف المنطقة الرمادية بين الخير والشر، موضحةً أن الإنسان قد يجد نفسه في ظروف قاسية تسلبه حرية الاختيار، مثل فقدان المنزل أو العمل، أو الاضطرار إلى حماية أحد أفراد أسرته، ما قد يدفعه إلى ارتكاب أفعال لم يكن ليفكر فيها في ظروف أخرى.
وقالت: “إن ما يثير اهتمامها في الكتابة هو كيف يمكن لأشخاص طيبين ارتكاب أفعال سيئة، وفي المقابل قد يقوم أشخاص سيئون بأفعال جيدة”، مؤكدةً أن فهم الدوافع الإنسانية يجعل الشخصيات أكثر عمقاً وواقعية. كما شددت على أن التعاطف لا ينبغي أن يقتصر على الضحايا أو الأشخاص العاديين، بل يمكن أن يشمل مرتكبي الجرائم أيضاً، من خلال محاولة فهم الأسباب التي دفعتهم إلى اتخاذ قرارات خاطئة، دون أن يعني ذلك تبرير أفعالهم.
وفي حديثها عن التوازن بين الواقع والخيال، أوضحت ماكينتوش أنها لا تلتزم دائماً بالتفاصيل الواقعية، باعتبارها تكتب روايات خيالية وليست مذكرات أو توثيقاً للأحداث، وقد تلجأ إلى تغيير بعض التفاصيل لخدمة السرد، لكنها أكدت أن الأهم هو أن تظل تصرفات الشخصيات وقراراتها منطقية ومقنعة للقارئ.
الحبكة لا تكفي لنجاح الرواية
وأضافت ماكينتوش أن الحبكة المثيرة وحدها لا تكفي لنجاح الرواية، إذ يتعين على الكاتب بناء شخصيات قادرة على جذب القارئ وجعله يهتم بمصيرها، مشيرةً إلى أن القارئ لن يكون لديه دافع لمتابعة الأحداث إذا لم يرتبط بالشخصيات ويشعر بالرغبة في معرفة ما سيحدث لها.
وحول قدرة أدب الجريمة على الوصول إلى قرّاء من ثقافات مختلفة، أشارت إلى أن المشاعر الإنسانية المشتركة، مثل الحب والكراهية والغيرة وانعدام الثقة بالنفس، تمنح الشخصيات الروائية قدرة على التواصل مع جمهور عالمي، بصرف النظر عن اختلاف البلدان والبيئات، موضحة أن كل قارئ قد يخرج بتفسير مختلف للرواية نفسها، وفقاً لخلفيته وتجربته الشخصية.
كما وصفت العلاقة بين الكاتب والقارئ بأنها لعبة من المطاردة ومحاولة اكتشاف اللغز قبل كشف الحقيقة، مؤكدةً أن الأدب ينبغي أن يتجاوز التسلية إلى دفع القارئ للتفكير ومراجعة مواقفه، والتساؤل عما يمكن أن يفعله لو وجد نفسه في الظروف ذاتها التي تواجه شخصيات الرواية.
وتطرقت ماكينتوش إلى أساليب صناعة المفاجأة، موضحةً أنها تقدم للقارئ قرائن وإشارات تدفعه إلى تكوين استنتاجات بشأن الشخصيات والأحداث، قبل أن تكشف له أن بعض افتراضاته لم تكن صحيحة. واعتبرت أن القارئ قد يخدع نفسه أحياناً عندما يحكم على الآخرين استناداً إلى خلفيته وقيمه، مشددةً على أن العالم أكثر تعقيداً من التصنيفات الثنائية التي تفصل بين الخير والشر أو الأبيض والأسود.
البيئة انعكاس لثراء الشخصيات
من جانبها، تحدثت الكاتبة المصرية نهى داوود عن خصوصية أدب الجريمة في البيئة المصرية، مشيرةً إلى أن الواقع في مصر بما يحمله من تحديات وتناقضات قد يكون أكثر قسوة وإثارة من الخيال أحياناً، وهو ما ينعكس على طبيعة الحكايات والشخصيات التي يقدمها الكتاب.
وأوضحت أن الكثافة السكانية والتنوع الكبير في البيئات الاجتماعية والجغرافية والاقتصادية يمنح الأدب المصري ثراءً في نماذج الشخصيات والتجارب الإنسانية، ويتيح للكاتب مساحات واسعة لاستلهام موضوعاته من المجتمع المحيط به.
وأشارت إلى أهمية بناء الشخصية الروائية ومنحها ملامح وتجارب تجعلها قادرة على جذب القارئ وحمله على متابعة الأحداث، موضحةً أن الشخصيات لا تنفصل عن البيئة التي نشأت فيها ولا عن التجارب التي مرت بها، وأن فهم دوافعها وقراراتها يمثل جزءاً أساسياً من صناعة الرواية.
القارئ يتحول إلى مُحقق
وفي حديثها عن طبيعة الكتابة في أدب الجريمة، أكدت داوود أن القارئ يتحول تدريجياً إلى محقق يراقب التفاصيل ويشكك في تصرفات الشخصيات ويحاول الربط بين الأحداث، لكن مسؤولية الكاتب تتمثل في أن يسبقه بخطوة أو ربما بعدة خطوات، من خلال التخطيط الدقيق للرواية وتوزيع القرائن بطريقة تحافظ على الغموض وتبقي القارئ في حالة ترقب.
وأضافت أن هدفها عند الكتابة هو أن يخرج القارئ بأكثر تجربة ممتعة ممكنة، وأن يعيش حالة من الوهم الذي يصنعه بنفسه من خلال افتراضاته واستنتاجاته، حتى يصل أحياناً إلى لحظة يكتشف فيها أنه تعرض للخداع، ويشعر بأنه كان مسؤولاً عن بعض الاستنتاجات التي أوصلته إلى تلك النتيجة.
وضربت مثالاً بروايتها “جثتان وثالثة عند قدمي”، موضحةً أن اختيار العنوان جاء في ظل أن أدب الجريمة في مصر لم يصل بعد إلى الانتشار الواسع، لذلك حرصت على أن يكون العنوان واضحاً في دلالته على طبيعة العمل، وأن يساعد القارئ على إدراك أنه أمام رواية تنتمي إلى هذا النوع الأدبي. وأكدت أنها تبدأ الرواية بإدخال القارئ مباشرة في أجواء الغموض، وتدعوه إلى استكشاف الجريمة والأحداث المرتبطة بها خطوة بخطوة.



